ابن الحسن النباهي الأندلسي
35
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
صاحبه لما يعلم من غصبه لأموال الناس والقهرة لهم عليها . قال : وأمّا إن أثبت الغاصب الشراء ودفع الثمن ، فادّعى البائع أنّه أخذه منه في السّرّ ، بعد أن دفع إليه ، فهو مدّع لا دليل له على دعواه ، فوجب أن يكون القول قول الغاصب المدّعى عليه ، كما قال في الرواية لقوله عليه الصلاة والسلام : « البيّنة على المدّعي ، واليمين على من أنكر » . وقد روي عن يحيى بن يحيى أنّه قال : « إذا قال البائع إنّه أعطاه الثمن بالظاهر ، فدسّ عليه من أخذه منه ، فإنه ينظر إلى المشتري ؛ فإن عرف بالعداء والظلم والتسلّط ، فإني أرى القول قول البائع ، مع يمينه لقد دفع المال إليه قهرة وغلبة ، ويردّ ما له عليه بغير أن يردّ إليه الثمن » . وقاله ابن القاسم . دفع ذلك في بعض الروايات ، وهو إغراق . فإذا أقرّ أنّه دفع إليه ، ثمّ ادّعى أنّه أخذه منه ، وإمّا لو لم يقرّ أنّه قبض الثمن ؛ وقال : « إنّما أشهدت له على نفسي بقبضه ، تقية وخوفا منه ! » لا شبه أن يصدق في ذلك مع يمينه في المعروف بالغصب والظلم ؛ وإنّما يكون ما قال يحيى من تصديق البائع فيما ادّعاه من أنّه دسّ إليه في السرّ من أخذ الثمن منه ، إذ أشهد له أنّه فعل ذلك بغيره . ونرجع إلى ما كنّا بسبيله ؛ فنقول : وممّن عرض عليه القضاء فأباه ، الشيخ الصالح بقيّ بن مخلد « 1 » ؛ كانت له خاصّة بالأمير المنذر « 2 » بن محمّد بن عبد الرحمن قبل ولايته الملك ؛ وكان قد قدّم إليه في حياة والده البشرى بالخلافة ، لرؤيا قصّها عليه ، فلمّا ولي الخلافة ، ضاعف له البرّ والكرامة والإعظام والتّبجلة ، وأحضره وأراده لولاية القضاء ، فأبى عليه ، فذهب إلى استكراهه ، فقال الشيخ بقيّ : « ما هذا جزاء محبّتي وانقطاعي وصاغيتي ؟ » فقال له المنذر : « أمّا إذ أبيته ، فأشر عليّ بقاض ترضاه للمسلمين ! » فأبى عليه ؛
--> ( 1 ) هو أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد بن يزيد ، القرطبي ، الأندلسي ، صاحب التفسير والمسند ، والمتوفّى سنة 276 ه . ترجمته في جذوة المقتبس ( ص 177 - 179 ) وبغية الملتمس ( ص 245 - 247 ) وتاريخ علماء الأندلس ( ص 169 ) وتذكرة الحفاظ ( ص 629 ) ونفح الطيب ( ج 2 ص 518 - 520 ) وطبقات المفسرين للسيوطي ( ص 9 ) . ( 2 ) ولي المنذر بن محمد الإمارة بالأندلس سنة 273 وقتل سنة 275 ، وهو يحاصر عمر بن حفصون . ترجمته في جذوة المقتبس ( ص 11 ) وبغية الملتمس ( ص 16 ) والمغرب في حلى المغرب ( ج 1 ص 53 - 54 ) والبيان المغرب ( ج 2 ص 113 - 120 ) والكامل في التاريخ ( ج 7 ص 306 ، 310 ، 320 ، 369 ، 416 ، 424 ، 435 ) وأخبار مجموعه ( ص 132 ) .